التغانيج
مازن مصطفى
الاثنين، 30 أبريل، 2012
Charcoal jar: المياه ومجاريها
الثلاثاء، 20 ديسمبر، 2011
ساباتو
"أرنستو ساباتو، ملاك الجحيم أبدون"
الثلاثاء، 8 نوفمبر، 2011
بيان ضد الإبادة الجماعية
وقع/ وقعي ضد تقويض الأجساد
أنت فخور يا صاحبي، فخور بالندرة واللاتواصل؛ فخور بنار الخيال النادرة داخلك وداخلي وداخلهم، ثلة الأساطين سيال الفرادات أولئك: حدسوا أن الخيال عصي على التعيين وها نحن نعصي خيالهم. هذا عملنا، أن نركض في الأراضي المأهولة طمعاً في بلوغ أراضٍ جديدة نضع عليها راية خيالنا ونظفر؛ أثناء الركض تتخلق الأراضي الجديدة: الأرض ليست موجودة نكتشفها، الأرض نخلقها. الخيال، الذي ظل نقيض الحقيقة لقرون، هو الحقيقة في الأكيد ذاته، ومثل أي حقيقة لا وجود له، إنه يبتدع كل مرة؛ كلنا محاولات إبتكار الخيال؛ هذا دأب مشيئتنا.
كل الكائنات قناصة؛ إلا أن الفنان هو القناص في حده الأقصى. كل الكائنات تقتنص رزقها من الأخيلة تحورها لمفاهيم وإنطباعات وحدوس وأفكار و و: أي كامل تلاوين العاطفة_ونعم، كل كلمة عاطفة، لأن كل كلمة مجاز؛ ولأن الإحساس بالمفهوم هو الآلة التي تسمح بتنظيمه. تلك الصياغات الجافة محض ألاعيب وهراء إجتماعي أحتاجه لإقناع من إتفقوا عليه سلفاً! أو لتبرير عاطفتي لأني بهشاشة أن أصابني هاجس الذنب في كل شيء، ولأن الخطأ البهيج صار مرعباً منذ شيدت البشرية له مقاصل العقاب. هل تصدق؟ أن تعاقب لمجرد مجيئك للعالم، والذي لم يكن إختيارياً قط! ربما المغادرة إختيارية، خذها فقد تطيب لك_ وعقب تشييدهم لحد إجرائي بائس، بهذا القدر أو ذاك من البؤس أو من المشيّد سلفاً والمُستلف كسلاً، يستخدمونه كيفما إتفق لإبلاغ صُدفة ولادتهم إلى صُدفة موتهم. الفنان بالمقابل قناص دائم؛ نوعية كائن عمله الحوك الخالص: يعيش لقنص الطرائد لا للشبع؛ المذاقات لا التخمة: التخمة مستعصية عليه من حيث هو هو؛ لذا يبصر الصيرورة بسهولة أمضى: إذ في حين تعيش الأنواع الأخرى داخل التهام الطريدة يكون عيشه الإنتقال من طريدة لأخرى، من خيال لآخر: قاتل تسلسلي؛ سفّاح لا أخلاقي (وليس "غير أخلاقي") وإن زعم العكس: مثل صديقنا المستهبل الذي أنتج للكنائس الموسيقى الأكثر كفراً. حين يترك الفنان طريدته ويتحوّل لأخرى يتناولها الرعاع كسلاً ويمضغون خيالها لتعويض إعاقتهم عن خلق خيالهم فيصنعون الكيتش والاكليشيه والكُسم الرمادي لليومي والأبله الاستهلاكي.
كنا، أنا وحبيبتي، نأكل كشري بوسط القاهرة، حين باغتتنا أصوات لقنابل متتالية: أحد المزعجين يمارس الطقس المعتاد، لتحمل رمضان عبر الإحتفال به، فيطلق عبوة ألعاب نارية تصبح مزيجاً من الدخان وأصوات القنابل فقط! سألتها:
-"أليس المبهج في الألعاب النارية مجموعة الألوان التي تنطلق، مع الإنفجار، لتمنح الليل شكل لوحة بخلفية داكنة؟"
-"الصوتية أرخص، لذا تستخدم!"
أجابتني؛ فتعجبت. مورِّس هنا تجريد أبله؛ الدخان الكبريتي الكريه والصوت المزعج مجرد ناتج عرضي مؤذي للألوان الإحتفالية، وأحسب أن لولا ضرورته للألوان لتم الاستعاضة عنه (وبالفعل، توجد ألعاب نارية بصوت كتيم وأخرى بتنويعات في الصوت لتمنحه طابعاً إحتفالياً، وهناك من قاموا بتلوين الدخان نفسه) ولكن هنا حدث العكس: أستخدمت العلامات غير الفاعلة ، أي الناتج العرضي، كرمز للإحتفال. هذا السلوك متوقع ويحدث كثيراً (وهل ينتج رأس المال بشاعة دون تأكد من تهيئة السوق؟) وهو السلوك الذي يسلكه الرعاع ازاء الفن دائماً؛ بأخذ علاماته غير الفاعلة للتجمل وإهمال ألوانه البهيجة؛ الناتج: الإكليشيه والكيتش في الشارع، والفن في المتحف وتجمعات أقليات تعاني بها سلالة الفنان الفاقة والإقصاء الدائم والسخرية المدعومة بزعم اللاوضوح، أو اللافائدة، أو اللا فن ذاتو؛ يا للمفارقة! تستخدم حجة الفن نفسها لإخراج الفن من اللعبة؛ كيف؟ سيقسم الأطفال الذين عاشوا حياتهم على الألعاب النارية جالبة الصمم ورائحة الكبريت بأن تلك الأخرى الملونة: ليست ألعاباً نارية. سيحدثون إستبياناً بأرقام (يحبون الأرقام إذ توهمهم الصواب؛ يحبون الرأي العام، رأي الأغلبية؛ ويسمونهم الشعب والجماهير!) بين من لم يبصروا ألعاباً نارية بألوان قط؛ وستأتي النتيجة لصالحهم! هكذا، بحساب الوقت، تغدو الألعاب الرديئة والسهلة التصنيع، وعليه: سهلة الإستهلاك (يا مصلحة رأس المال)، هي الجمال الحقيقي للإحتفالات! أشباح الألعاب النارية تلك: باولو كويلهو وماركيز (نعم؛ أعني ماركيز، وأبصر فيه تفاهة مقرفة) وجورج أمادو هي الأدب؛ بينما الخيال الأشد ضراوة محجوب: قلة عرفوا لعبة الكريات الزجاجية لهيرمان هيسة! أعمال ساباتو! أعمال سليم! كوارث بورخيس، وخوان رولفو وبرنار نويل و..إلخ. ألعاب منسوجة في خامة النار نفسها: كيركيغور وكافكا ونيتشه ومحمد الصادق الحاج والقديس جان جينيه ولوتريامون وجنون مدار سرطان هنري ميللر وفتوحات إبن عربي ووصف رندا الحبيبة للعدم كاملاً؛ كل هذه الألعاب النارية المهولة مطمورة تحت ركام الإستهلاك أبي السهولة، تحت الصوت المدوي ورائحة الكبريت؛ يجب قراءة الكتاب في دقائق لنقفز لكتاب آخر (يا سعادة بائع الكتب) بينما يقضي متذوق صقيل، مثل هالة فؤاد مثلاً، الأعوام الطوال يتلذذ بعمل واحد من أعمال إبن عربي. الخيال هو اللهبة الخطأ في هذا العالم؟ لا؛ هذا العالم مشيد بالخيال الخطأ، الخيال الضعيف للأجساد الضعيفة. قالت:
-"هذا النفي للفن يخدم العدم الذي يلائمهم"
لاحظتي؟ مطالبة إفلاطون بإقصاء الفنان من جمهوريته تحققت كاملة. الفنان الآن في المتحف؛ في معارض للتشكيل يتحكم في العرض بها سماسرة أوغاد. تمت طباعة الفتوحات المكية ألف مرة ولانجدها بالقلوب؛ النسخ عطنتها الرطوبة وأكلتها العتة، والثرثرة حول ركاكات لاتنتهي للموضة الفكرية المعاصرة تمارسها الأقلية المزعومة "مثقفة"! نحن في حياة تعمل ضد نفسها بضراوة. نحن لا نتخيل أنها ستنتهي لأننا مازلنا على طمأنينة قديمة مستمدة من غائية الطبيعة ومفهوم العدل الإلهي: متى نفهم حقاً أن الطبيعة بلا غايات، ولا توجد قوة سوانا تحفظ الحياة يا البلهاء: كل شيء يتم إستهلاكه بغباء يورث الفناء؛ البيئة، الموارد كلها، والإستعارات؛ اللغة، البليدة منذ الأساس لكونها إجتماعية وتحمل الفخ التواصلي، والتي تتعهر ما أن توجد، بلغت ركاكة لا تُصدق! ما الذي يمنعنا من الفناء ونحن بهذه اللغات القاتلة؟
الكون يتقصف حقاً؛ وليس أمامنا سوى أن نتحزم وننكرب ونتصدى بالضراوة الكاملة؛ الفنان في هذا الكوكب أغلبية نادرة، وعليه أن يتحمل مسئولية فرادته كاملة؛ أحسب حربه حرب إيجاب: على الفنان أن ينتج النقيض الأقصى لبؤس العالم ولبؤس شرطه الوجودي (وربما الطبقي أيضاً) ويجب أن نمعن في الداخل من الخارج وفي الخارج من الداخل؛ أي نتفحص الخلائط كلها، ونكتب لذواتنا وعوالمنا قذارتهم كاملة.
يجب أن يمنح الخيال الترف الذي فقدناه؛ اللذة التي لم نعرف أين، الحيرة رفيقتنا، يجب ويجب؛ فشلنا في صنع ذلك الخيال المطلوب ما ينغص على كبدي: إلى الآن لم أكتب جملة حد أحسها ألمي كاملاً. في أكثر وهلات التفاؤل تبقى هناك حيرة تمد لسانها لنا؛ ويبقى ما يقال تافه وسطحي وقشرة صلبة تغطي الألم نفسه.
ملحق للبيان:
1-
نحن، عدد من أنواتي، أو ذلك العدد من أنواتي الذي يعشقه جسدي في الوهلة؛ نتفق في الآن هنا أنا، وفقط في حدود ذلك، إلى حين إشعار باتفاق آخر في حال أخرى.
"مازن مصطفى/بيان لحل إشكالية التنمية"
2-
لابد أن نعمل إذن، لابد من تشييد المستقبل نفسه الآن ليتسني للمستقبل الإتكاء عليه وتمديد رجليه، لابد من قتل المستقبل بتحقيقه كله اللحظة، واهبين بقية الزمن كله للآلهة، حتى يتم خبزه في غيرنا. أيتها الآلهة: نحن عجائن ناضجة إلتهمتها الحياة. لنأتمر بأمر النمو، بأمر الرفاه، بأمر ما نادت به نداءات العالم التي لم نسمعها لعقمنا.
"مازن مصطفى/بيان لحل إشكالية التنمية"
3-
نحن، كل مازن حضر هنا ومن معه، صغنا البيان التالي وكلنا أمل في أن تتبدل أمنياتنا بأمنيات ألذ، قمنا بتقديم ما يتفق عليه من أسانيد، عامدين ألا نشتط، آملين أن نخطو، عبر هذه الخطوة كخطوة خجولة ومبتدئة، إلى خوض معترك أعمق لاحقاً، بأهداف أكثر طموحاً مما قدمناه ونشاط سياسي أشد إبتعاداً عن ترديد البيانات، أشد إرتباطاً بمصالح الجماهير والشعوب، التي لسنا ننطق إلا بالإنابة عن بعضها، أي الذين وقعوا على هذا البيان، وإلا لفترة قصيرة، أي فترة كتابتنا له؛ لسنا، بالتالي، مسئولين عن أي مفردة كتبت خارجه؛ لم نكتب كل تلك الكتب، ولم نخلق العالم، ولم نرصف طريقاً ولابنينا حجرة. وهذا منا للتوكيد.
"مازن مصطفى/بيان لحل إشكالية التنمية"
4-
يجب إختبار لطائف فريدة، رغم جفاف ما تبقى من المبالاة نفسها.
5-
يجب مقاومة كل مكان مبارك؛ ليتني لا تباركت، يا ليتني لا تباركت. وليتني لا تباركت نية مسبقة، وتشديد مطلوب، وقطع آصرة مع مديح ناقص، وكل مديحٍ ناقص؛ لم يعد كله يطربني، وأتبجح.
6-
العقل
المشنقة الأولى؛ تمرح بجبروت لانهائي وباسمها تقام الولائم الماحقة. العقل اللعبة كلها: أدوات تنظيم التجربة صارت أدوات محاكمة صحة التجربة وخطلها؛ صار العقل سياج التجربة ومحدد ممكناتها، وهو الذي بدأ معاوناً لها: لم ننتقل قط من الحيوان إلى البشري، إنتقلنا من الحيوان إلى الحيوان الداجن الأشد إفتراساً وخسة.
7-
الحقيقة
أخت العقل، كانت خلف حروب لا تحصى؛ بنت الأخلاق والجوهر: حين الاستخدام "الصحيح" للعقل نبلغها: أي حلقة مفرغة!.
8-
الفرق بين الحقيقة والخيال فرق تكريس وجرائم: كل مكرس، لابد عبَر في مدارج قتل لامحدودة لإخماد ردائفه، وكل تكريس في ذاته جريمة مدهشة. حين يبلغ الخيال سطوته يبلغ سلطته خالقاً من نفسه جوهراً في آلة البديهة.
9-
حين نشأ تصور للأنا إشتعل المحق، ونشأت أحقاد في الأسفل واحتقار في الأعلى (لكن الاحتقار نبيل) ثم نشأ تصور الجوهر والعلة والسبب.
10-
لا وحدة في الإرادة.
11-
الكاتب الرسالي: حقود ووضيع. لابد من فاشية لتفترض أن من واجبك تعليم أحدهم، توجيه أحدهم، تصويب أحدهم. إن دعاة التنوير يتحركون من نقطة إمتلاكهم للنور وأن كل ما عليهم نقله؛ كيف يمتلكون "الحقيقة"؟ ارجع للرقم سبعة.
12-
الكاتب الرسالي: حقود ووضيع. من يزعم بالتقدم يزعم معرفة "الأمام"؛ بينما كل "أمام" نقطة في الخلف. الخلف الذي ينطبق علينا ككارثة. لم نبصر في كل أمام مزعوم سوى ويلات لانهائية. لم نبصر سوى تحطم الأمل بدوي هائل؛ والتطور لم يعد يعني سوى: من المتطور قتلنا بقنبلة عن ذبحنا بسكين. هل تضائلت همجية الإنسان مع "التطور" المزعوم؟ صار السلاح يقتل أكثر، ولم أعد أقتل لأني أكره، بل ببساطة لأن هذا عملي.
13-
العلم:
كانت بالطوطم شعرية أمضى. هذه التجريدات تصنع أدوات لا تلبث أن تمتلكنا؛ هذه المعادلات سموم لاحد لها. وما الفائدة من زيادة متوسط أعمارنا في هذا الشرط الإنساني البغيض؟ هل من يقين بعد؟ كانت هذه فرمالة العلم: اليقين؛ وكأن اليقين مطلب، وكأنه ممكن (راجع رقم سبعة) ثم أتت فيزياء الكم لتسحب هذه الورقة الأخيرة غير الرابحة.
إن هوس التقنية الذي طاردنا منذ بارمنيدس تدميره لايقاس: البيئة نفسها تمحق؛ ومقابل الكوارث اللانهائية لم نتقدم روحياً خطوة، ربحنا السفر السريع والمدن الكبرى وإبادة عالم بضغطة زر! كأن نصبح بشراً أفضل لأننا نستخدم الفيسبوك!
في مغامرة تطويع الطبيعة استبدال قهر بقهر: قهر الطبيعة بقهر العلم! لن تقتلنا الصاعقة بعد مانعة الصواعق، بل تفكيرنا وحده يفعل. يا بختنا.
14-
مطلب:
إيقاف الاستهبالات اللغوية؛
ما الفرق حقاً بين "عالم المُثل الإفلاطوني" و"الماوراء الديني" و"النومين الكانطي" و"المجتمع الشيوعي الشيوعي" و"زمن النبي"؟
السبت، 29 أكتوبر، 2011
بين افلاطون وفوكو
محمد عبد الخالق بكري*
تفلت رواية مازن مصطفي "عنقاء المديح المنمق" الصادرة عن دار شرقيات ، القاهرة ، في يوليو الجاري، من تقاليد السرد الراسخة والمستحدثة في الرواية العربية على نحو فارق . واذا كانت الناقدة الامريكية كلوديا روث بيربونت (بيربونت 2010) قد لاحظت بحق وفاء نجيب محفوظ وجيله لتقاليد بلزاك وزولا باقتدار مشهود ، وان الجيل الجديد من الروائيين العرب قد نحا ، ولأسباب مفهومة ، تجاه كافكا وغارسيا ماركيز ، فان عنقاء مازن تهجر كل ذلك الى رحاب جديدة من السرد لا تحتويها تقاليد معروفة . ولكن كيف ؟
تتكون عنقاء المديح المنمق من سبعة فصول هى : 1) مدائح التمساح ، خرائط البيادقة كما قصة العفريت وابنة الخياط 2) نهر الصيرورة ، نهر العدم ، 3) كفاية وكف ، او ضراعة مريبة لأكفان بيدق ، 4) تطبخ الحب نيران الخيال العنيدة ، 5) متاهة الممكن ، 6) متاهة الاقبية ، 7) العذارى حائرات في الميراث . الفصول الثلاثة الاولى تتميز بغرائبية المكان وشخوصه ، حيث تدور احداث الرواية في مدينة او كون يسمى (بيدق) وسكانه يدعون البيادقة ، وبيدق تقع في جوف شخص اسمه نعيم ، ويبتدر السرد راوى ينخرط في حوار مع شخصية اخرى هى في واقع الامر تمساح يسكن هو الآخر جوف نعيم . وهذه قطعاً ليست كافكوية يشهد القارئ معها تحولات البشرى الى مسخ . فكائنات مازن ، تكوينها ، جغرافيتها وعلاقاتها هى هكذا منذ البدء . فعلى سبيل المثال هناك شخصية اسمها الخطأ ، وهى كائن وليس شخص بشرى ، لها بعدها الجسمانى وافعالها وحواراتها ومنلوجاتها دون ان تظهر كناتج تحول كافكوى .
اما في الفصل الرابع المعنون "تطبخ الحب نيران الخيال العنيدة" فسرعان ما يتكشف للقارئ ان راويه هو المؤلف الامبريقي للرواية ، كما تحدده لغة المنظر السيموطيقي الايطالي امبرتو اكو (اكو 1992 ، ص 67) ، اى المؤلف الفعلى للنص ، اى مازن مصطفي الذى يظهر اسمه على غلاف الرواية الصادرة عن دار شرقيات ، حيث يظهر اسمه واضحاً جلياً في هذا الفصل ، كما يظهر اسم زوجته واصدقاء حقيقيون له يعرفهم القارئ بالاسم والمهنة ان كان على المام بالوسط الثقافي السوداني او حوارات الاسافير السودانية او مجتمع طلاب الدراسات العليا بجامعات القاهرة الذى ينتمى مازن مصطفي له . في هذا الفصل الذى يشبه كتابة السيرة الذاتية يعالج المؤلف اسئلة وجودية مثل الميلاد والموت والحب واللغة والانسنة من خلال تجربته الخاصة . ولنؤجل قليلاً الحديث عن الفصول الثلاثة المتبقية . الا يبدو متعسفاً ان ينكسر تسلسل الرواية بفصل من سيرة ذاتية للمؤلف الامبريقي لنفس الرواية ؟ خاصة اذا ما كان الفرق شاسعاً بين الصوت الذي اختبره القارئ في الفصول الثلاثة الاولى وهذا الفصل والذى غلبت عليه اسئلة فلسفية شائكة ؟ واقع الامر لا . فقد مهد الراوى في الفصول الثلاثة السابقة لاى مفاجآت يمكن ان تخطر ببال القارئ وذلك عن طريق تقنية سردية نادرة الاستعمال في الفن الروائى ، هذا ان لم تكن فريدة . واقول نادرة تحوطاً فلم تقع عيناى عليها في اى عمل روائى عربي او اجنبي ، وان كان هذا بالطبع لا ينف استعمالها من قبل روائى ما لم احظ بمعرفته . هذه التقنية السردية هى التغريب بالمعنى البرشتى للكلمة ، تلك التقنية المسرحية التى صكها الكاتب المسرحى الالمانى بروتولد برشت. يقول عنها تعريف مدرسي بسيط انها مفهوم اريد به منع المشاهد من ان يفقد نفسه بسلبية في الشخصيات التى يؤديها الممثلون امامه وبالتالى القصد هنا جعل المشاهد مراقب واعى ونقدى لما يدور امامه .
فالتغريب بكلمة واحدة هو كسر التلقى التقليدي وكسر الايهام بالمشاهدة لتحفيز المشاهد لتأمل العمل واستخلاص حكمته الخاصة . وللتغريب في الدراما ادوات مختلفة منها المخاطبة المباشرة للنظارة ومحاورتهم ومنها ، كما درج عليه الدراميون العرب باقتدار ، كسر الاستعمال اللغوى الرصين ، كما الانتقال المفاجئ من الحديث باللغة العربية الفصحى الى استعمال لهجة غارقة في محليتها .
عمد الراوى الى استعمال تقنية التغريب منذ الصفحة الاولى ، فيقول الراوى في معرض مخاطبته للتمساح :"لست التمساح الوحيد الذي يقطن أمعاء كائن بشري ، الا تجد في هذا عزاء او تفسيراً؟ . . . ، ولنبدأ من نقطة صادقة ، هذه محض رواية " (ص 11) . وكلما استغرق القارئ في متابعة الفصول الاولي ، التى تتسم بجمال فائق للغة شعرية حافلة بالظلال وغموض المعنى ووضوحه يقفز المؤلف الامبريقي مزيحاً الراوى ليذكر القارئ مرة اخرى انها محض رواية . ففي احدى المشاهد الطافحة بالدراما يقول احد مراهنى الابد ، وهما شخصيتان توأم يراهنان على كل شئ منذ بزوغ عالم بيدق ، يقول احد مراهنا الابد : "عبث أم لا؟ ، واراهنك بقطعتين لقطعة .ثم ، كأنما انتصار قادم، بسط كفه لاحتواء ثروته المزعومة : - اراهنك بعدد كلمات هذه الرواية ." وهنا يتدخل المؤلف الامبريقي قائلاً : "لوّثنى المراهن ، وكل رهان لوثة وتلويث ، اذ ساظل مسكوناً بفكرة مفاقمة ربح طرف مقابل خسارة طرف آخر ، وفي كل كلمة اسردها ،لاتجاهل ، كذا بررت نفسي لنفسها ، اذ لا سبيل لسرد كلمة ان لم نتناسى الرهان ، قلت : لست نصيراً لأحد . لم اقل بالأحرى كتبت ذلك في السطر السابق . . . "(ص 44) .
في الفصول المتبقية ، (متاهة الممكن) ،(متاهة الأقبية) ، و(العذارى حائرات في الميراث) يلتئم عالم مازن مصطفي ، المؤلف الامبريقى للنص ، مع الراوى ، ويلتئم عالم بيدق مع اسئلة سيرة المؤلف الذاتية وتمتد الجسور بين اجزاء النص المختلفة لتجعله وحدة صلبة التماسك. وفي نهاية الامر هى قراءة ممتعة وشائكة في آن تضع علم قراءة النص في حرج بالغ بين نية النص ونية المؤلف ، موت المؤلف وقيامته ، المؤلف النموذجى والمؤلف الفعلى . ولعل قراءة في تأويل معنى النص تلقى ببعض الضؤ على هذا النص بالغ التعقيد .
في المعني : التأويل وحدوده
أعمد هنا الى رسم حدود تحكم عملية تأويل المعني في (عنقاء المديح المنمق) ، هذه الحدود تعتمد جملة وتفصيلاً على الضوابط التى وضعها السيموطيقى امبرتو اكو (اكو 1992) ، والتى هى في ظنى تضبط عملية التأويل علمياً وتخرجها من عسف التخريج والاختلاق التى من شأنها ان تنتهى بنا الى قراءة لا تمت بصلة للنص المطروح امامنا . وهذا بالطبع لا يعنى ان القراءة التى سأقدمها هنا هى القراءة الوحيدة الصحيحة للنص ، انما هى فقط واحدة من قراءات محتملة عديدة بل لا نهائية لنفس النص .
تكمن فائدة العدة التى يمدنا بها اكو في انها تضع للتأويل معيار قابل للقياس والحكم على مدى مقاربته لمكونات النص المعنى ، وبذا يمكننا على الاقل استبعاد التأويلات المفرطة في فرض نية القارئ على نية النص . يحدد امبرتو اكو المعيار الذى من خلاله يمكن اختبار معقولية تأويل ما لمعنى النص بالاتى : اى تأويل معطى لجزء من النص ينبغى فحصه بمقابلته بالنص كوحدة كاملة ، ينبغى قبول هذا الجزء اذا تأكد بواسطة جزء آخر من النص نفسه ، كما ينبغى رفضه اذا ما تم نقضه بواسطة اي جزء آخر من النص (اكو 1992 ، ص 65) . وهكذا اذا تراكمت المقولات الدلالية التى تجعل من قراءة النص كوحدة واحدة أمراً ممكناً ناحتة مجرى جلياً للمعنى مع عدم تناقضها مع معطيات النص المتعددة وظهر معناً متسقاً للنص، تتمتع القراءة هنا ببراءة من الافراط في التأويل ، ومع ذلك لا تتمتع باى حق يجعلها القراءة الوحيدة الممكنة للنص .
ان التأويل الاساسي الذى تنطلق منه هذه القراءة ان النص في جوهره مقاربة فلسفية لعلاقة الفرد بالمجتمع ، أنسنة الفرد، وصناعته، من خلال فعل المجتمع بوسائله المختلفة ، اي تنشئته وجعله كائن اجتماعي ، وتناقضات ذاك الفرد مع وسائل التنشئة الاجتماعية ، وصراعه للافلات منها . تحتل اللغة كفاعل اجتماعي في هذه الصياغة ، وحسب رؤية العالم القارة في النص ، الدور الحاسم في هذه الصناعة ، صناعة الانسنة ، وانه لاسبيل للافلات من احكامها الجبرية الا بالخروج عليها . ولا يتم الخروج عليها الا من خلال ذاتها ، اي من خلال اللغة نفسها . تتصل الرواية من حيث بناءها ، المكان وجغرافيته ، وشخوصها ، واحداثها بنصوص فلسفية عالجت اسئلتها حول الفرد والتنشئة واللغة ، تحاورها وتنتقدها وتعدل منها . فالرواية وان احتفظت بتقنية فنية عالية غنية باستعمال مستويات متنوعة من السرد كرواية انما هي في نهاية الامر نص فلسفي عميق الشمول جاء باقتدار متنكراً في اثواب الرواية .
وحتى نختبر هذا التأويل لنبدأ بالمكان ، بيدق ، وشخصياته . الا تذكر بيدق القارئ بمدن الفلاسفة وجمهورياتهم المتخيلة ؟ ذلك التقليد الفلسفي في ارساء المفاهيم الذى اطلقه افلاطون قبل مايزيد على 2300 عام وتبعه فيه العديد من الفلاسفة والمفكرين امثال سسيرو في الجمهورية وسينت اوغسطين في مدينة الله والفاربي في المدينة الفاضلة وسير توماس مور في يوتوبيا وفرانسيس بيكون في اتلانتس الجديدة . ما المشترك بين بيدق ومدن الفلاسفة ؟ هذا يرجعنا الى شخصيات مازن مصطفي السابحة في فضاء بيدق . جل هذه الشخصيات كائنات تمثل مفاهيم ، لذا اسميها كائنات اوشخصيات مفهومية . فهنالك شخصية الخطأ ومراهنا الابد وكائن الكفاية وكائن الكف ، فالشخصية او الكائن ترتبط بمفهوم ما . فاذا اخذنا الخطأ على سبيل المثال نجده شخصية فاعلة في الرواية له بعده الجسمانى وهنالك وصف لشخصيته ، كما له افعاله فهو باجنحه ، ويحلق في سماء بيدق تحت ظروف بعينها ولتحليقه في سماء بيدق عواقبه ، لكن في نهاية الامر ان الخطأ مفهوم فهو كما يقول عن نفسه " ان عالماً سيهمس باسمي ، بل ان عالماً سيتغنى باسمي ، بل ان عالماً سيتجرع حنظل اسمى . . . أن عالماً يعرف بالألف واللام جهالة . . . انا الهول حسبك حماقتى فلا تنظر ، انا مذؤوب كل ليلة فاحترس ، ان يصيبك منى ظفر ذئبت . . . أنا الكثير الذى لا طرف ولا وسط له ، انا الكم المنبسط كل كيف . انا مبتلى الكتلة والمتوهم بحيز في الفراغ . تقرحات القريحة ، عجائن الحيوان . . . " (ص 40-41) . ينهض الخطأ هنا كمفهوم ملبياً متطلبات لغة الفلسفة ومتمتعاً بكافة عنفوانه كشخصية روائية كاملة النمو .
في زعمى ان جمهوية افلاطون ، وهى ام مدن الفلاسفة ، تمت بصلة قربى لصياغة بيدق ، وترتبط بها بمجارى خفية مبثوثة في النص ساعمد لمحاولة كشفها في سياق تأويلى . لكن علىّ ان انوه ان بيدق ليست باية حال مرآة لمدينة افلاطون ، وفي الواقع ان الراوى ، وكذلك المؤلف الامبيرقي للنص حين يظهر صوته ، يقف رافضاً بل حانقاً على افلاطون وما صاغه من مفاهيم كما سنرى في الفصل الرابع . تقف الصلة في انعكاس ظلال المعاني التى تناولها افلاطون في كائنات بيدق وجغرافيتها ونظامها . بيدق تتحدث عن الميلاد ومصائر الفرد ، فقد جاء اول سؤال في الرواية كما يلى ": أتعرف اين يدفن البشري ظله وجسده وروحه الفزعة ؟ في مكان الخلائط ؟" (ص 11) . فبيدق كائنة في النفس ، داخل نعيم ، وهى في معظمها عن قوانين صياغة النفس في بيدق وتحولاتها . صلة ذلك بافلاطون ومدينته لا تخفى ، فهنالك العديد من طلاب الفلسفة من الذين ضاقوا بالتفسير التقليدي لجمهورية افلاطون ذلك الذى يصر على حصر فهمها كعرض لنماذج الحكم . فاحدث الدراسات المعاصرة مثل دراسة جوليا أنّاس (أنّاس ، 1999) تقيم الادلة على ان حوار افلاطون في الجمهورية بمجمله انما اقام مقارنات بين روح الفرد ، والتى هى بدورها وفي وحدتها تتضمن انفاس متعددة ومصطرعة يمكن موسقتها تحت ظل نفس واحدة او "جمهورية" عادلة وخيرة . وقد تحدث الرواى مراراً عن تعدد الانوات مؤكداً مركزيته . فيشير مثلاً في وصف رحلة الاجنة في اقبية المتاهة ، وهو مكان الولادة في بيدق ، الى "تعددات الكائن في الأنوات تزامناً وتعاقباً ، والى الرحلة ينسب فضل البشري ومعابته ، ومنذ ولدنا ." واقبية بيدق نفسها تذكرنا بمقارنة الكهف في جمهورية افلاطون ، تلك المقارنة التى يصف فيها افلاطون على لسان سقراط جماعة من الناس عاشوا سجناء مقيدين طوال حياتهم في كهف يواجهون جداره لا يشاهدون الا انعكاس ظلال الاشياء المتحركة بفعل نار خلفهم وبذاك لا يرون من الحقيقة الا ظلالها . فمقارنة الكهف عند افلاطون عن المعرفة والفكر وما تدركه الحواس ويفوت عليها في مقابلة حقيقة الاشياء (افلاطون ، الفصل السابع ، ص 373) . وللنظر برهة لاقبية بيدق لنقف على بعض اوجه الشبه . بنيت جدار المتاهة من صخور الجبال الثلاث الكائنة ببيدق ، وتسمى جبل المرارة وجبل الحيرة وجبل القلق ، "صخور صلدة بقطع متعرج، وملمس خشن ، وألوان خلاء باهتة تقتم في بعض المواضع ، كما ترتمي ظلال تعرجاتها على مناطق قطعها الغائرة . . . المشاعل لا تضيء سوى التحقق من العتمة ، عرفنا ذلك دائماً ." ويسترسل الراوى قائلاً عن المتاهة " هذه هى المتاهة ، ان تعجز عن تمييز غائط من وردة ، أن تعجز عن تمييز خلل عينيك من خلل العالم ، ثم ، في المحصلة ان تعجز عن تمييز نفسك عن العالم . هذه ليست المتاهة ، هذه مادة جدرانها " (ص 100-102) . اليس هذا الوصف يكاد ينطبق على وصف كهف افلاطون ومغزاه ؟
وجه آخر للشبة بين مدينة افلاطون وبيدق يكمن في وجود المحاورين ومبادلاتهم فهناك الراوى والتمساح وحوارهما ، ومراهنا الابد وجدالهما ، كما ان هنالك ثلة من الشيوخ مرابطة في خلفية المشهد فيما يشبه المجلس يدلون بدلوهم بعد مداولات ، كما لا ننسى ان نعيم يدلى بدلوه من حين لآخر . ويقودنا هذا التشابه الشكلى الى تشابه اكثر اتصالاً بالمعنى ، اقول اكثر اتصالاً بالمعنى لا تطابقاً معه ، فقد تناول الفصل الثامن والتاسع من جمهورية افلاطون طبيعة الشهوات والرغائب وتقلبات الفرد في طلبها في اطوار حياته المختلفة وتم تشبيهها بوحش كاسر قابع في نفوس الافراد حتى الخيريين منهم . تناول الفصل التاسع على وجه الخصوص تنازع الفرد الديمقراطى بين قضبي اشباع اللذة لمنتهاها وكبحها الى ان يصل الى التوازن والاعتدال حيالها (افلاطون ، الفصل التاسع ، ص 432) . على نحو مشابه تنهض في انسان بيدق منازعة مماثلة في الفصل الثالث (كفاية وكف او ضراعة مريبة لأكفان بيدق) . في هذا الفصل يقدم الراوى كائنين ، هما كائن الكفاية وكائن الكف . يقول عنهما "مكان الكفاية كائن ، ومكان الكف ايضاً . وانما ينمو الكائنان بالروح ، فاما يسهم المرء في نمو هذا او ذاك ، كلا الكائنين ليس عضوياً ، كما أن افتراء لا موجب له يتحقق باطلاق لفظة روحى عليهما ، فرغم نموهما بالروح ، الا أنهما متمايزان عنها ، مثلما الاسد ليس مجموعة خراف ، مهضومة كانت ام لم تكن " (ص 35) . ويصف الراوى كائن الكفاية كما يلى: "كائن الكفاية لذة المحسوس كله ، كائن الكفاية اشباع تام . . . يستلذ بالشبع ، فيظل احساس اللذة دائماً الا ما لا نهاية ، يستلذ بالايلاج الى ما لا نهاية ، بالقذف الى ما لا نهاية ، بالفكرة الى ما لا نهاية ، يظل مستلذاً بكل لذة ، بكل ما يمنح كائناً ما لذة ما ، مرة والى الأبد ، دونما وهلة انقطاع ، ودونما حد او بداية او شائبة " (ص 36) . اما نقيضه كائن الكف فيقول وصفه " فكائن الكف غبطة دائمة بلا حس ، اذ تلغى الأضواء فيه الحاجة كلها ، فتنعدم الشهوة ، لذا لا حاجة لاشباعها ، وكذا كل وسائط الحواس ، وزخائم التوسمات والمدركات فالمنفعلات ، فلا تبقى سوى غبطة كاملة ، كمال الاستغناء الذي يستغني ، فما يستغني ، عن ذات استغنائه ، فلا يدركه ولا ينفعل به . . ." (ص 38) . تبدو واضحة في ظنى صلة القربى بين هذين الكائنين المفهوميين والنوازع والشهوات التى تناولها الفصل التاسع من جمهورية افلاطون .
نوهت الى انه على الرغم من التشابه بين بيدق ومدينة افلاطون ، الا ان الراوى والمؤلف الامبريقى حين يغمر صوته صوت الراوى ويزيحه ، يناصبان افلاطون ومفاهيمة عداء مطلق . يظهر هذا العداء صراحة في الفصل الرابع (تطبخ الحب نيران الخيال العنيدة) حيث يرد اسم افلاطون صراحة ، وتصير مقولة الحب الافلاطوني ثيمة الفصل الرئيسية . وينهض الفصل في مجمله ، من خلال سيرة المؤلف الذاتية ، على حوار حول مفهوم الحب الافلاطونى وسيطرته على تصورات الانسان كمفهوم للحب لم تنجح اية محاولة فلسفية لتجاوزه . رغم اقرار الراوى بانعتاق فلسفة نتشه من افلاطون وعمده الى قلبها الا ان نيتشه "توقف مثل لا مبال أصيل امام المفهوم الافلاطونى للحب " (ص 53) . يتحدث الراوى عن المفهوم واعادة انتاجه في الحياة بشكل يومى في تنشئة الفرد بكل الوسائل الاجتماعية الممكنة : في صناعة بيع الورد ، المجوهرات ، السينما ، قسيمة الزواج ، مراسيمه ، بطاقات المعايدة .....الخ وتتحدث سيرته عن مقاومة المفهوم الا انه في نهاية الامر يقر بهزيمته الشخصية امام افلاطون . يقر بالهزيمة ولا يستسلم . وهذا مستوى آخر في المعنى نعالجه لاحقا لننشغل الان برفض الراوى لافلاطون .
يتجلى رفض الراوى لافلاطون ، على حد تأويلى ، في رفضه لمقولة افلاطون الرئيسية حول دور الفلاسفة الحاسم في صياغة الجمهورية او المدينة الفاضلة او اخراج الناس من الظلمة ، مثلما جاء في مقارنة الكهف . فقد سخر من احتكار الفلاسفة للاجوبة في حديثه عن ولادة الانسان كورطته الكبري فقال :" بينما في الغضون يتخذ المرء من التدابير بها فاسدها وطيبها ، او هى في كلها مشتبهات . بينما يسعى الفلاسفة لاغوائنا بالاقتراحات ، التى لا ضمان لها سوى حجر فلاسفة غائب ، ويسعى الفنانون ل : لا اعرف حقاً ، ولا آمل " (ص 87) .
اما النقطة الثانية التى يصيب فيها الراوى صرح افلاطون حول الفلاسفة في مقتل فتتعلق بكهف المقارنات نفسه الذى فصل فيه افلاطون بين الحواس والفكر وافترض اخراج الفلاسفة للناس من الظلمة الى النور ، وقد جاء هدم الراوى لمقولة افلاطون في قمة الجلاء في لغته الفلسفية ، حيث يقول الراوى :" لم يكن قط محض تشابك فكري ، كل فكرة ، كل مفهوم يثير شعوراً ان صحت التغذية ، لم يكن هناك قط ما هو عقلي منفصل عما هو حسي ، المفهوم احساس المفهوم ، وتلك العلاقات الجافة المرتبة تنظيم للاحساس ، ترتيب الوهم يصنع ما نعرفه باسم الفلسفة او الفن . اذن ، كل كلمة عاطفة ، وهذا بديهى لان كل كلمة مجاز " (ص 90) . ولا يخفى هنا التقرير الحاسم بان تفسير الفلاسفة انما ترتيب لصورة متوهمة اخرى من انعكاس الظلال على جدار تجربة البشري ، على حد تعبير الراوى .
اظننى قد تناولت من النظائر الدلالية ما يجعل تأويلى لعنقاء المديح المنمق ، كنص روائي يتنكب اسئلة فلسفية حول أنسنة الفرد وصياغته ككائن اجتماعي ، ما يكفى لحصانة التأويل من الافراط وتمتعه بقدر من المعقولية . اما الشق الثانى من تأويلى والمتعلق باللغة ودورها كعامل حاسم في هذه الصياغة والأنسنة ، واقتراح النص ان السبيل الوحيد للافلات من احكامها يكمن في الخروج عليها فسيكون موضوع القسم التالى من هذه المقاربة للنص .
اللغة : القفل والمفتاح
اتناول الان الشق الثانى من التأويل المتعلق باللغة ، التى في ظنى ان النص يقول بأنها العامل الحاسم في صياغة الفرد بل هى سجنه وانه لا سبيل للخروج من سجنها الا من خلالها هى نفسها . وكما قلت من قبل ان النص في جوهره يفتح مجارى في جوف نصوص فلسفية عالجت اسئلته حول التنشئة واللغة . لذلك تواجهنا مهمة متشابكة هى : اولاً اثبات مركزية اللغة في المعني الذى يحمله النص ، وثانياً اكتشاف صلة القربي بين الرواية ونص فلسفي معين يكون مؤهلاً لكشف المعني وفي نفس الوقت معيناً على مراكمة النظائر الدلالية لما ذهبت اليه .
لنقف اولاً على كفر الراوى باللغة وطعنه في علاقتها بالمعني . فعندما يصف كائن الكف بتكوينه المعقد وعلاقته باللذة يقول :"كائن الكف الذي يحقق اللاموجود نفسه وجوداً ، دون أن ينقص هذا من لا وجوده شيئاً ، وهذا ما يجهله فقهاء اللغة لعته أصابهم حين أصابتهم اللغة ، فصاروا بلهاء كونيين يلوثون اشارات العوالم بالسخائم ، أجارك الشعراء " (ص 38) . هنا نلاحظ ان الراوى يحط من سلطة تنظيم المعني الرسمي ، فقهاء اللغة ، ويعلى من سلطة الشعراء الذين يعملون علي اللغة من زاوية المجاز ذات الصلة الركينة بالشعور . تترى اشارات الراوى عن عجز اللغة في علاقتها بالمعنى فيقول في قمة انسه مع التمساح وقبل ولوغه في متاهة الاقبية "اشتهي الكلمات التى محقتها اللغة " (ص 102) . ويقول في خلاصاته حول موت روميو وجوليت كما رسمه شكسبير :"عرفنا أن سوء التفاهم مقيم في كل محاولة للتواصل ، أن اختراعاتنا ، منذ امها اللغة قاصرة عن التوصيل ، بل قاهرة مثل هذه المدينة " (ص 64) . وغير ذلك كثير من الاشارات والتصريحات التى تجعل من المستحيل تجاهل مركزية اللغة في معني النص .
يعترف الراوى رغم سخطه بهيمنة اللغة وسطوتها وجبروتها الكاسح الذى يفسد حتى قيمة الحب بالمكرور والجاهز ، وقد استرسل في ذلك حين قال "هذا جانب من الورطة : العلامات معلومة للجميع ، تختلف قليلاً من مكان لآخر ، مثلاً: توجد تقاليد محددة في الحوار ، مواضيع يجب طرحها ، موافقات مبطنة بشفرات معلومة للجميع ، غزل مألوف بأستجابات مألوفة ، وهناك الأغاني واستخداماتها وصولاً للعاقبة عندكم في المسرات " (ص 61) . بل اكثر من ذلك يسيطر سجن اللغة ويفسد حتى لحظة كتابته لكلمات هذه الرواية حيث يقول : "حسناً ، ان الكسل أصيل بالكائنات ، لذا افترض أن ما صنعناه هو اللغة . لقد حفرنا مجرىً بائساً لتصريف اللغة بعيداً عن مداركنا ، وهو ما عرفناه باسم اللغات : السومرية ، المسمارية ، وحتى تلك الأكثر معاصرة كاللاتينية ، وسواها . ذلك النظام من الرموز الدالة البائسة التى تسلم اللغة الى حتفها . اللغة غريزة ، وما ذلك النظام سوى وسائل للكبت ، اننى اكتب بحزام العفة لا اكثر ، بل اننى أكتب بوسائل الهاء ، بمفرزات الكسل " (ص 86) . ومما يسترعى الانتباه هنا ان الراوى يحن الى اللغة نفسها ، يحن اليها حرة من الكبت ، يحن الى لغة اخرى ، اذن ان غضبه وتمرده انما ينصب على اللغة الاجتماعية المسيطرة تلك التى حفرنا لها مجرىً بعيداً عن مداركنا ، على حد تعبيره .
الحنين للغة اخرى اكثر التصاقاً بالانسان وادراكه ليس مجرد تداعيات افلتها الراوى في منلوجاته ، انما حنين ارتبط ببناء الحدث وتوليده في الرواية بل طبع بعض شخصياته في تكوينها وظهورها ، وسأعود الى ذلك عندما اتحدث عن اللغة نفسها كمفتاح للخروج من سجن اللغة كما اقترح تأويلى . اما الان فالتفت الى كشف صلة القربي بين الرواية ونص فلسفي مؤهل لاضاءة المعنى اكثر من غيره ومعيناً في مراكمة المزيد من النظائر الدلالية .
انى ازعم في تأويلى هذا ان المعنى المبثوب حول اللغة على طول الرواية يماثل على نحو مذهل اراء ميشيل فوكو حول علاقة اللغة بالمجتمع . يقول فوكو في الكلمات والاشياء على سبيل المثال : " نحن وقبل ان نقول ابسط كلماتنا محكومين ومشلولين باللغة " (فوكو ، 1971 ، ص298) . الا يطابق ذلك قول الراوى انه يكتب بحزام العفة ؟ اعتقد ان التطابق في المعني بين عبارة الراوى ومفهوم فوكو يغدو اكثر وضوحاً عندما نورد شرح فوكو لمفهوم وظيفة المؤلف في علاقته بمؤلفين فعليين . يقول فوكو في حفريات المعرفة : " بالطبع ، انه من السخف بمكان انكار وجود افراد يكتبون ويخترعون . ولكنى اعتقد ان الفرد الذي يجلس ليكتب يستعيد وظيفة المؤلف ، على الاقل لبعض الوقت ، وهو على حافة كتابة عمل محتمل . ان ما يكتبه وما لا يكتبه وما يشخبطه حتى بطريقة أولية جداً وما يسقطه كأفادات بسيطة غاية في العادية ، كل هذا محكوم بوظيفة المؤلف . ومن موقعه هذا سيقوم بصياغة عمله المحتمل من كل ما يمكن ان يكون قد قاله من قبل ، من كل ما قاله بصورة يومية ، ومن كل ما قاله في اي وقت " (فوكو ، 1972 ، ص 222) وهذا بدوره يرتبط بفرضية فوكو المركزية في ملحقه حول اللغة في كتابه حفريات المعرفة ، ذلك ان انتاج الخطاب في كل مجتمع ، لحظة انتاجه ، مسيطر عليه ، ومفروز ، ومنظم ، واعيد توزيعه وفقاً لعدد معين من المنتجين مهمتهم تلافى قوته وخطره ، وتجنب انفلات تحققاته بثقلها المذهل(فوكو ، 1972 ، ص 216) .
هل يقودنا اكتشاف هذه الصلة بين النص وافكار فوكو الى مراكمة المزيد من الادلة في النص حول التنشئة واللغة؟ بالطبع نعم . حسب مايكل ماهون (1992) ، احد دارسى فوكو المرموقين ومؤلف كتاب الاصول النتشوية لفوكو ، ان فوكو يعتقد اننا محاصرون بشفرات مؤسسة تاريخياً تصيغ افكارنا وتصوراتنا وتصنيفاتنا ، ويقف على قمة ذلك ان مساءلتنا لما صاغته اللغة في هذا الشأن يعدل مساءلة الفكر نفسه (ماهون ص 57) . نجد لهذه الفكرة المركزية لدى فوكو صدىً لا يخفى في الرواية . ففي احد مشاهد الرواية وفي معرض حديثه عن الحب الافلاطواني يعرض الرواى قصه صديقه مأمون في حواره مع فتاة على سطح منزل مأمون . يصف الراوى مأمون بانه ضد المجاز المستهلك في قضايا الحب والعاطفة وقد كان مأمون "يحدق مع الفتاة في القمر المستدير والأكبر من حاجة اليوم ، ويجادل . القمر مجاز بذىء ، اخبرها ، مجموعة الحجارة تلك لا علاقة لها بالعواطف ، استدل برأى بوخريس الشهير ، وأخبرها بأن سخافة قصوى تكمن في التمسك بهذا المجاز : مجاز القمر . وافقته الفتاة ، واستطردت رابطة فكرة القمر بمجازات سحرية اخرى ربطها البشر على ضوءه الخافت . . . " (ص 56) . يتواصل الحوار الى ان "قالت الفتاة جملة غيرت مسار السطح كله : اتعلم ؟ نحن الآن أسرى لذلك المجاز البائد ، انه يعمل . وقبلت صاحبنا فقبلها ، وفي اللحظة ذاتها ، ودون احساس بالموجودين في المنزل ، ودون المخاوف الاساسية من المباغتة ، بدا السطح يرتجف أمام كثافة حركة الطرفين " (ص 58) .
يقع القارئ كلما اوغل في النص على تلك الاشارات الفوكوية ، ان جاز لى التعبير ، حول اللغة وسطوتها . ففي بحثه عن الاجوبة للاسئلة التى طرحها وجوده يقول :"ان خرق النمط . . . يتطلب خروقاً في السجن نفسه ، وهل سجن سوى اللغة ؟ ان القواعد الغوية تعني القواعد الاجتماعية ، ونحن ننخرط فيها باكراه مثلما انخرطنا في المجتمع باكراه ، واذا منحناها القداسة منحنا المجتمع . . ." (ص 65) . وهنا يلمح المرء اصداء ربط فوكو للغة والخطاب بصفة عامة بالسلطة وارادة الحقيقة في المجتمع .
نلتفت الان لاقتراح المخرج في معنى النص للافلات من سجن اللغة ، أو الحنين للغة اخرى فالتة من سطوة الاكراه الاجتماعي كما بينت اعلاه . لنتخذ لذلك مدخلاً هو زعمى ان حنين الراوى للغة اخرى لم يكن مقصوراً على تداعياته وانما ارتبط ببناء الحدث وتوليده في الرواية ، بل طبع تكوين بعض شخصياته ومنطق ظهورها . حينما قرر تالوس وعالوس الابحار عبر نهرى الصيرورة والعدم المعرفان في جغرافيا بيدق اتفقا على بناء مركب : "قلنا لتكن للمركب أجنحة واقدام وقد كان . وقلنا لتكن له عجمة محببة في النطق ، ولتكن صرامة أخشابه ليونة في الماء ، وليكن ثالثنا ، صديقنا وواسطة حوارنا مع الماء . . . عملنا على طلائه . احضر عالوس الألوان من مخازن العلامات . . . وقلنا لنرسم ما لا يشبه المركب فرسمنا مركباً ، بذات الحجم والسمة ، كتبنا على ظهره بخط الثلث : المركب لا يشبه المركب ، ايضاً ، اخذت عالوس برهة حماسة خط خلالها على المؤخرة : يا قسيم الريد تعال ليّا . منذها ، سمّى المركب نفسه قسيم الريد " (ص 26) . اداة الخلق هنا ، اي اداة صنع المركب ، هي في واقع الامر اللغة : "قلنا" . فمع كل قلنا يتشكل المركب وتتضح قسماته ، وبالطبع لا يخفى ان طلائه احضر من مخزن العلامات ، وبعدها استوى المركب وسمى نفسه ليتخذ شخصيته الخاصة به ، حيث تثبت احداث الرواية التالية استقلال المركب تماماً عن عالوس وتالوس .
في احدى حلقات الحدث في الرواية تعم موجة انتحار في العالم اطلقها بكاء عالوس . نفذ من العالم البشر ولم يبق غير عالوس وتالوس ، وقد كان بالطبع موت افتراضى ، حيث حاول الراوى ايقاف الموت الذى تدفق من شاشة حاسوبه اثناء الكتابة (هذا بدوره احد اساليب التغريب التى تم تناولها في القسم الاول من هذه الدراسة) . بعد حادثة الموت الكوني فكر عالوس ساخراً "لو وجدت صحف بالغد لكان هذا عنوانها ، فكر عالوس ساخراً لوهلة ، قبل أن تطربه خاطرة حرية بهيجة ، فيمرح: يجب الغاء مفردة صحيفة ، اي صحيفة بعد اليوم ؟ يجب الغاء مفردة ، مفردة ، حسناً ، يجب ان تلغى مفردة مفردة نفسها ، ما حاجتى الى اللغة دون آخر ؟ صاح عالوس مرحاً ، فقاطعته :
- كيف تنظر لغرمولك دون تسميته يا عالوس ؟
- للغرمول عين ذاته يا ابله ، لم أنظر اليه ؟
- انت لغة يا عالوس ، دع هياجك المهووس ، هياج الدبابير ، وتبصر ، انت محض لغة" (ص 93) .
هنا يظهر جلياً ان الراوى لا يريد قتل اللغة ، فهى بالنسبة له ليست فقط وسيلة تواصل مع الآخر تنتفى بانتفاء الآخر ، انها شكل الوجود ، وجود الذات نفسها ، ولذا عنف توأم روحه عالوس وقال له انت لغة يا عالوس محض لغة . اذن اين المخرج ؟
ازعم في هذا الجزء الاخير من تأويلى ان مفتاح سجن اللغة يرتبط بما سماه النص مضائق سين . ومضائق سين مكان قصى ببيدق وصفه الراوى كما يلى :" . . . توجد مضائق سين ، في المجهول لدينا من غابة يمكنك أن تمضى خلالها مئة عام لتبلغ مكانك ، توجد تلك المضائق المريبة . حنان التكوين وحده ، لا سبب آخر ، جعل احدى منافذ الاقبية مفتوحاً على تلك البقعة ، حيث يتم انجاب الاجنة الذين نعدّهم مجهضين ، اولئك الذين نحسبهم لم يولدوا قط ، مثل الجنين الناتج عن مصافحة محبّين ، او ذاك الناتج عن تبادل نظرة شبقة . هذا عالم آخر ، عالم دونه حجابنا ، حجاب التراكم " (ص 17) . سيتضح صراحة من الكلمة التالية في النص لهذا المقتطف ان مضائق سين خارجها وباطنها لغة . لكن ارغب في الامساك بثلاثة نقاط هنا ستعين في جلاء المعني بعد قليل : 1- مضائق سين تقع في المجهول من غابات بيدق وطريقها وعرة والمسافة اليها ذاتية ، تقاس بذاتك حيث يمكنك ان تصلها بعد مئة عام . 2- المضائق لها وشائج بالميلاد حيث ترتبط بمتاهة الاقبية ، مكان الميلاد في بيدق ، الا ان ارتباطها على نحو مختلف اذ ترتبط باجنة الخاطر ، مثل جنين ناتج عن مصافحة عاشقين . 3- ان دوننا ودونها حجاب هو حجاب التراكم ، ويؤهلنا الدليل المتقدم وما سيلى ان نقول انه حجاب وتراكم اللغة الاجتماعية .
يواصل الراوى في وصف مضائق سين فيقول :" ... لذا هو مغلق بمتاريس الحروف الثمانية والعشرين ، متراس تلو اخيه من معدن الحرف الذى لا يصدأ ، المتاريس التى كانت أبواباً ولم يبق منها سوى الأقفال ، تحجب عنا كل الرّحابة التى جهلاً سميناها مضيقاً . تفتح مضائق سين وهلة استقبال وافد من قاطنيها الجدد ، أجنة الاستحقاق ، حيث ينتابك حينها الاحساس بما يسعد في العالم ، بل الاحساس بالعالم كما يسعد بنفسه ، وتلك لحظة نادرة " (ص 17) . هنا وضح تماماً ان الحجاب هو اللغة باحرفها الثمانية والعشرين التى كانت ابواباً واستحالت الى اقفال . ويتضح ان الاقفال تفتح لاجنة الاستحقاق . ولكن من هم أجنة الاستحقاق ؟ بل ماذا خلف القفل ؟
يتضح لنا من عرض الراوى انه اذا تقدمت الى مضائق سين تريد الدخول " . . . يطلب منك ابراز اللغة في أول بواباته ، فاذا قدمت لخفراء سين هذه اللغة التى تحملها منجساً برائحة عفونتها ، اي عبق ملايين الفطائس اللغوية ، سخروا منك وحجبوا دخولك الى مأوى السلالة . . ." (ص 17-18) . مرة اخرى نتأكد ان اللغة المستهلكة تقف كحاجز يحول دوننا ودخول مضائق سين . لكن يرتبك الحراس كثيراً حين تبرز بيأس آخر كارت في حوزتك :"فان اصررت واخبرتهم أن نادوا لى كافكا من جوة ، نظروا الى بعضهم مجفلين ، وازاحوا عصيهم الذائقية من المدخل بأيد معروقة الجمال ، صلبة مثل الريبة . . ." (ص 18) . اذن كافكا قابع بالداخل وانه من اجنة الاستحقاق ، وان مجرد معرفته التى تؤهل لمناداته من الداخل تكفل لتراخى الحراس وعصيهم الذائقية ، ولكن هل يدخل المرء ؟
"اتدخل ؟ لا ، اذ رغم انفتاح الطرائق ، لك من سعيك سياج ، ولك من زوائد على كعبيك ثقل ، واعاقت حنجرتك الحواشى ، وكثف جناحيك الضلال فصار جناحي حجر معبأ بالفلز " (ص 18) . وهكذا يتضح لنا المعنى : ان خلف السجن تقبع لغة اخرى ، لغة اجنة الاستحقاق مثل كافكا الذين دخولها واصابنا لحظة دخولهم ، لحظة وقوفهم على بوابة سين ، اصابنا الاحساس بما يسعد العالم ، بل الاحساس بالعالم كما يسعد نفسه . اذن المخرج في العبور من خلال اللغة نفسها الى لغة اخرى اكثر اتصالاً بذواتنا ، تخرج مكنونها الذى اخرسته لغة العادة ، تماماً مثلما فعل كافكا حين عبر من خلال لغة اليومى المكرور ، الى لغة اخرى كشفت ما كشفت من ذات الانسان .
مراجع :
Annas, Julia. Platonic Ethic Old and New, Ithaca: Cornell University Press, 1999
Eco, Umberto. Interpretation and Overinterpretation, Cambridge: Cambridge University Press, 1992.
Foucault, Michel. The Order of Things: An Archaeology of the Human Sciences, English translation (unidentified), New York: Pantheon, 1971.
Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language, English translation by A. M. Sheridan Smith, New York: Pantheon, 1972
Mahon, Michael. Foucault Nietzschean Genealogy: Truth, Power and Subject, Sunny Press, 1992
Pierpont, Claudia. Found in Translation: The Contemporary Arabic Novel, The New Yorker, January 18, 2010
The Republic by Plato, www.idph.net/conteudos/ebooks/republic.ಪ್ದ್ಫ್
*ناقد وأكاديمي مقيم بالولايات المتحدة.
الأحد، 17 يوليو، 2011
الأحد، 19 يونيو، 2011
مات قبل أن يعرفني
1-
قبل عام، كنا نتحدث عن حالته الصحية المتدهورة، فقلت ضاحكاً:
-"هو أذكى من إنو يموت قبل ما يعرفني"
سألني:
-"إنتا هظارك دا جادي فيهو، صاح؟"
-"طبعاً جادي؛ المواضيع دي ما بتحتمل الهظار"
قلت بذات النبرة.
2-
لسنوات كنت غير قادر على الرسم؛ ببساطة كنت لا أشعر بالرغبة، كنت أستطيع تأمل أعمال تشبعني لآخرين فلماذا أرسم؟ إنهار طموحي الجمالي في هذه المنطقة، "وهذا ما يتوقف له الجميع!" قلت لنفسي لائماً؛ لم أشعر بالوصول، توقفت لأسباب أخرى لا أدركها الآن بوضوح. عزائي الفعلي كان الآتي: حين توقف ساباتو عن الكتابة إنصرف إلى الرسم، سأفعل مثله. متى سأنتحر إذن؟ الآن، أعترف بخجل، تتوارى ميولي الإنتحارية بعيداً جداً، وكأن الحياة صارت جميلة! ولا أحس باللحظة المناسبة، لأن اللحظة المناسبة تعني الوصول بصورة ما؛ أعلم أنني لا أحتملها، لا أحتمل الضئيل الذي سأكونه حينها، وسأموت ندماً إن جاءت وعلمتها ثم لم أغادر: لن أعلم بها؛ هذا أسوأ كابوس في الوهلة.
3-
كله في الوهلة؛
تعلمون أن كله في الوهلة؛
والوهلة أبدية.
4-
الأبدية، أخبرنا رامبو، مستعادة.
5-
ثم سافو:
برغم أنها محض أنفاس فحسب،
إلا أن كلماتي
خالدة.
6-
كم أحبه؛
أحبه حد أن هذه الكتابة عني بذريعته.
7-
وهذه الكتابة عنه بذريعتي:
" كي اتمكن من انجاز أعمالي اواجه مصاعب لا تطاق, انها معاناة تكاد تكون مستمرة ليس بالمعنى الروحي فحسب بل الجسدي أيضا. هذا بالاضافة الى عدم الاطمئنان والإحباط والغضب من النتائج التافهة التي تظهر شيئا فشيئا والى التردد والقناعة بأن ذلك مالم أكن انشده , الكتابة تسبب لي آلآما في المعدة وعسرا في الهضم, كانت أطرافي تتجمد وأعاني من الأرق ومن آلآم الكبد" ساباتو.
8-
ما هي الخصلة التي أدخلها إفلاطون بنجاح تام في جسد العالم عبر معاظلته النافذة؟
إنها التواضع؛ التواضع في أقصاه. هذا العالم ليس سوى صورة من عالم المثل، وما الذي نراه حقاً حين نرى؟ ليس سوى ظلال الأشياء التي تنعكس على جدران الكهف. الشعراء نفسهم، إحساس الحياة بالمعجزة، فرض عليهم التواضع: تم تحويلهم لمجرد كضابين. الفن نفسه كضبة كبيرة؛ وعاش الفن بجلاله داخل وهم الكضبة الكبيرة، وطفق يحاول، متواضعاً، محاكاة الواقع مرة، والتعبير عنه مرة أخرى، ومعرفته ثالثة، وتغييره رابعة.
لا نبصر سوى الظلال، لا نمارس سوى المقاربة، لسنا سوى كائنات عاجزة؛ ومن تواضع للمثال رفعه.
9-
ثم جاء يسوع؛ وبلغنا التواضع المسيحي نفسه. وها نبصر المتصوفة يمتدحون الذوات خلف قناع الله، ويحتالون لنسبة الفكرة إلى النصوص، مكتفين بنرجسية الكتابة وحدها: يا لألم إبن عربي.
10-
ثم نمتدح الذوات خلف أقنعة إمتداح الملوك، وعمك المتنبي كثيراً ما لا يطيق الأمر فيصدح بذواته هازئاً؛ ثم لا يلبث أن يمتدح تفوق ذواته على الملوك أنفسهم، فيرد بذلك مقتله.
11-
ثم نمتدح الذوات خلف قناع الحقيقة، أي الله مرة أخرى، فنكتب الكتب التي تنزع لإخفاء نزعتها الشخصية بالكامل: القوانين، الدساتير، مؤلفات في الرياضة والفيزياء والكيمياء تبدو كأن لم يكتبها بشر لفرط موات نبرتها. خلفها يختبيء الصوفي الذي يخفي مديحه في مديح الله.
12-
هل تمتعتنا بالفردية حين بزوغ الفرد في الحداثة؟ لم يكف الفرد عن إعلان ضعفه وحوجته لقناع يمارس به المدح مستتراً: حقوق الإنسان، الديمقراطية، الشنو والشنو والشنو الشنوئي، ثم أبصرنا إنكار الذات نفسه، والتضحية البلهاء. إن التضحية الوحيدة، التي لا ينطبق عليها وصف البلاهة، تضحية تصب في خدمة الجسد نفسه، أي أنها تضحية أنانية: أبصرنا البشري يقدم نفسه للموت بدافع من أنانيته، من رغبته القصوى في المدائح. أي أن هذه التضحية المزعومة "غير بلهاء" ليست كذلك إلا لأنها لم تكن قط تضحية.
13-
التواضع، يا للبلاهة: أذكر أن في طفولتنا كانت تقام منتديات شعرية تتعمد الشعر الركيك لبؤس ذائقة القائمين عليها، والذين كانوا في الغالب مجموعات غير معدة، كالعادة، من شباب رعاع اليسار، الذين كنا نبصر فيهم وقتها اختلافاً عن شباب رعاع اليمين؛ كان الشعراء، حينها أي عقب قرون من كتابة الشعر اللاعن للجماهير عوض شكرها، يستهلون شعرهم بشكر الجمهور الكريم. منذها، كنت أتسائل ببراءة التيس:
-"إنتوا الجمهور دا كريم ليه؟"
الإجابة الوحيدة الهناك:
-"لأنه أتى لسماع الشعر"
يا لتواضع الشعر!
14-
يجب تعليم الرعاع: الإنحناء بشكر وإحترام لتلقي هبة شمسية في جلال الفن. بل، بعدما يمتلكوا قدرة صنعها يجب عليهم الإنحناء لها وهي تمنح من أكباد أقرانهم؛ أما الذين يعجزون عن الفن، عن صنعه كما تقديره بشكر لانهائي ممتد وطويل، فهم مثل أولئك الشعراء المكرمون لجماهيرهم، كائنات غير جديرة بالرثاء نفسه.
15-
والتواضع يستمر: اليمين الخروف مازال يعاملهم كخراف الرب الجديرين بالشفقة؛ واليسار الخروف جائنا بمعطة جماهير شعبنا؛ وجاء من يزعم أنهم ليسوا بتلك السذاجة التي لقطيع، وأن لديهم حسهم الجمالي وال...إلخ؛ بل قيل بمصرع الإنسان الممتاز، تلك الأشياء بدت معقولة لحينها وتبدو لنا الآن تواضعاً غير مجدي؛ بل وغير ممكن تصديقه وإن توهمنا. إن من يمتدح جماهير شعبنا لا يرتضي لوهلة هدم موقع تفوقه كطليعة!. إن المساواتية، دائماً، حيلة الضعفاء لنفي تفوق القادر؛ ألم يعلمنا نيتشة؟
16-
والتواضع يستمر؛ والبنيوية تطالعنا بموت وموت، وهكذا صرنا نتحرك في مسرح كبير للدمى كما كنا من قبل؛ كان يحركنا الإله وتقاعد لتحركنا السياقات أي السيستم: مات الفاعل.
17-
بعد الحداثة أقبلت؛ مفهوم الحقيقة الذي بدأ نيتشه بهدمه هُدم كما لم يهدم من قبل، وتجاوز الميتافيزيقا بلغ حداً لا يطاق من الحبر. وصرنا بعد حربنا كلها مع إفلاطون متواضعين كما يريدنا إفلاطون:
-"واللاهي طبعاً دي مجرد قراءة، وأي موضوع بيحتمل تأويلات لانهائية، ودي وجهة نظري في النهاية"
بخيبة عنين، بأشفار ملتحمة صرنا نردد كأنما نعتذر عن وجودنا نفسه:
-"لو لم نكن بشراً لكنا الحقيقة نفسها"
ونضع تحتها التوقيع، التوقيع الذي ينسب لغيرك الحكمة تواضعاً ونكراناً، توقيع لوتريامون ، توقيع الله؛ هي فارقة فعلاً ؟
18-
نرجع، في هذا الكتاب المكرس لساباتو أي لمازناتي، لساباتو، وفقرته المقتبسة تحت الرقم 7، رقم كمالنا الصوفي، وننظر إلى التواضع الذي يكتنف كتابته عن جهده الهائل، أي جهدنا الهائل؛ ولنتسائل: هل سقط ساباتو في التواضع؟ تواضع مين يا عم! لا أبصر سوى الغرور التام، غرور هائل ونرجسية تخجل نرسيس نفسه (في حلقات قادمة سآتي على تفصيل نرجسية الكاتب المطعونة، فهي قصة طويلة، وسأشير إلى الرقم هنا عندها).
إن المثال العزيز على العظماء مثال الكمال؛ لا يريدون لذواتهم سوى المديح الكامل، كل شيء أو لا شيء: المساكين، حتى لو عرفوا مراراً، وكتبوا مراراً، أنها كفاية لا منال لها، يسقطون في فخها. وبينما هم يريدون عنقاء المديح المنمق البورخسية تلك، يصابون بالشلل. وأعراض شلل الكمال مألوفة دائماً: لفرط التدقيق ولفرط تدقيق التدقيق، لفرط المخاوف، لفرط الظنون والشبهات، لا أستطيع كتابة كلمة واحدة. لفرط ما أود إمتداحي مديحاً كاملاً لا أكتب كلمة: ألا نعرف هذا وإن لاشعورياً؟ كل كلمة عن المطلق تستلب من مطلقيته؛ المطلق غير قابل للوصف، لا يمكنك وصف أي مطلق، أي مطلق.
العظيم الذي لا يعانق نقصه كجزء من مجده نفسه عظيمٌ بائس حقاً: "الكتابة تسبب لي آلآما في المعدة وعسرا في الهضم, كانت أطرافي تتجمد وأعاني من الأرق ومن آلآم الكبد" أنا برضو يا أرنستو، أنا برضو؛ ما عزاء مُش؟ كان عزاء كنتا إتعزيت بيك. أها هاك دي: "رامبو في عمر تسعتاشر وقف كتابة الشعر، الناس راجية شنو؟" دي بتنفعك لتتذكر خيبتك، وتتوقف تماماً عن عبء الكتابة، أي كي يكف جسدك تماماً عن محبة جسدك. غرورك يرفض النقص؟ ألم تتعلم بعد أن كتابة أي جملة تحتاج إلى "العبث اللازم: أحمد النشادر"؛ النقص هين، هاك رقم 19:
19-
"ما الفائدة؟؛ ما الفائدة من التراكم؟، ما الفائدة؟، وميراثك يملي على حواسِّك القفلَ فالقفلَ، يلقِّنك الدرسَ فالدرس، يبذل الجوهرَ فالجوهر، يفقس المطلقَ فالمطلق، يلد النهايةَ فالنهاية، ويورثك العظةَ فالعظة؟. وإذا لم يكن معك من شيء غير ما ترث، وإذا كان كل شيء في الكون هو ميراثك هذا، بما فيه اللحظة التي انقضت مع (عين مع) هذه بمحتوياتها كافة، ما عرفتَ منها وما جهلت، فأين المخرج من كراسة الحساب هذه التي (كتاب الرمل: بورخيس). وأين السبيل إلى تناول المفعول رأساً دون المرور بكل هذه الأكوام من أقفال تنسخ بعضها بعضاً؟. وهل من تفاوُت فارق في القيمة بين الدرس الديني العريق في وعيك وفي خيالك والدرس الذي تمليه عليك بقعة التراب هذه التي على الشاشة؟، إنها تكاد تبزه في حشوِ حواسك بمحتويات لا تقل قدماً وعراقةً وتأثيراً وغنى وشعريةً من (قصص الخلق) الدينية!. " (مرضعة لغير التغذية: محمد الصادق الحاج)
عايز الباقي؟ أقرا الكتاب؛ مت مبكراً يا صاحبي.
20-
الغرور فقدنا به ما أحرقت من كتابة لا تبصرها تمتدحك كما يليق؛ كم فقدت أنا لغرورك، وكم كسبت: بفضله كُتبت نصوص جليلة ونجت. قلتا لي كنتا عايز تحرق أبطال وقبور؟ يِحرِق شنو أقول ليك؟
شكري الأبدي لألفيرا.
21-
لغرورك: كنت نداً جيداً لكافكا؛
لكن هذا لا يكفيك ولا يكفيني.
22-
أنا بالأساس ضائق بعمارة هذا الفن، فن الرواية، بل أنا ضائق بعمارة الفنون جميعها، وهذا عن عشم ربما أبله: إنها الجائزة الوحيدة التي يمكن رشوة وجودنا بها، أعني الجمال، فلا أقل من أن تبلغنا لذة خارقة حد نبقى، وهي لا تفعل. ومن بعد قرون من ثور المهارة البشري لم يصبني فن فيقتلني لذة؛ بل لم يصبني فن يبتر في القلب ضجر. هذا الضيق يصيبني حد اليأس فأنحو للمفاهيم عاشماً في عزاء لحظي للحيرة طالما الأمل جزرة ركضنا الأبدية، إلا أن الحيرة ترميك بيأسها فتهجر منقباً في مهارات المنظور أو المسموع ثم المقروء، كرة بعد كرة دون أن تكف، إلى أن تشعر بوهلة ما أنك محض دلاهة، وأن هنا، هنا بالذات، عبودية مُختارة تقضمك كما لن يحدث أبداً لو انتقيت عبودية أخرى لوجودك، كأن تعتلف الفتات، قانعاً من كل ترف، مثلما يفعل أغنام الحياة اليومية المشغولين بجائزة الركاكة الإستهلاكية المُعاصرة.
23-
إلا أنني إنتقيت اللذة وإن لن أبلغها، وسأصاقر حيرتي إلى أن تحتار؛ وما الذي أخشاه طالما لا بلوغ؟ ودعني أخبرك: لا فكاك لبشري في هذا العالم من أن يدلي بدلوه. لحظة وجدت إنخرطت؛ بل مغادرتك هميمة المشاركة مثلما رضاك، فتحزم وإنكرب. أنا بالأساس ضائق، وللحق، فإن الضجر نفسه، مثلما كل شيء آخر، يشعرني بالضجر؛ حين أضجر من رؤيتي في حياكات الآخرين: أكتب نازعاً تسريتي بيدي.
24-
لا أنزعها كتابة فقط، أرسم، وأخلق كائنات صلصالية تخصني، وأغني في الحمّام أحياناً ومع غناء الآخرين غالباً، وأفكر وأستلذ بالحيرة حيناً وحيناً أتألم حد أبكي، وأحياناً أترجم بعض ما يعجبني. إنظر: أنا منذ وَهبتُ هذه الحياة القصيرة التي تخصني للجمالي لا أتنفس خارجه؛ كنت أتسائل قبل أعوام عما سأكونه إن إنتقيت طرقاً أخرى، الآن لم أعد أستطيع تصوري خارج هذه المنطقة؛ إن فكرت فأنا أفكر في كائن آخر، وأندهش أن كيف يعيش.
25-
أنا لا أحب الكتابة؛ ألمها عنيف مثل لذتها، ولكنني لا أستطيع، حالياً على الأقل، أن أعيش بَلاها. سأتوقف ما أن أحسني قادر على ذلك؛ ما أن أبتكر معنى آخر بذات هذه الوحشية والفرادة، سأترك الكتابة وأنصرف له؛ للأسف، لست مؤمناً بالكتابة، لا أتذكرني كنت مؤمنا حقاً بشيء؛ كل هذه ذرائع مرحلية للإنخراط بما أحسبه يلائم مازن اللحظة.
26-
غداً سأتخذ ألف موقف مختلف؛ غداً سأرفض ألف فكرة أحبها اليوم؛ غداً ليس يوم آخر، الغد معناه: شخص آخر، ولو ثقفنا حساسياتنا لأرخنا بنا: في السادس من مازن السابع والثمانون من ذي الحيرة. كأننا، المازنون، ثقب أسود يلتهم الوجود كله؛ أنا كنت كل شيء، كم كنت كل شيء. لكن، أظنك كنت كل شيء أنت أيضاً.
27-
لولا الغرور ما كان لي أن أفترض حوجتك الحميمة إلى لياقتي في الحبر؛ و لياقتي جيدة فتغذيتي ممتازة ونيتي عجينة لا أخلاقية ولا أبصر جوهراً إلا ثقبته عيناي. ما كان لي؛ أحسني الآن خضاراً على مائدة المصائر.
28-
أنا الكلما قابلت إسمي أحس بنخزة الاحراج.
29-
والأبد قٌبلته شائهة.
30-
الغرق تغطى بالمياه ونام،
القبور، في مزحة قاسية،
رَسَمَتْ جِلدُها اليابسةَ؛
هكذا،
كل إسمٍ غطاء.
31-
والعقلُ ملابس.
32-
ثم أحبك؛ لولا خطل خيالي ما كنت تموت.
34-
المكان أخيولة الزمان للتسرية؛ الزمان أخيولة المكان للركض.
35-
الورطةُ زمانٌ خالص.
36-
وكيف وجدت الأصدقاء؟ ألا يعضون بندم على الأبدية؟ هل وجدوا والت ديزني بجهنم؛ يتولى تصريف التسلية، ويهب كل منهم سبعة أقزام يتولون التفاسير؟ هل وجدوا الصيارفة يحصون عليهم الجمرات؟ الجمرات التي عمل ماركس، بخيال أشفت عمال الإطفاء، على رصدها بقصد أن تتورط شركات التأمين جميعها في تعويضنا لما القيامة تقوم؛ يا بصره! ترى أي أممية يدبر هناك. وقابلتا ديكارت؟ شاف الحيرة ووجعتو، وكان قايل الزوغة منها ممكنة؛ لكن العالم بيكبر ينسى. لاقيت نيتشه؟ الوحيد القام بيهو لغم في قلبو وعاش ليروي. ما الوحيد مُش؟ قبلاتي لسافو العزيزة، سلامي للنفري وكافكا وكيركيغور والجميع بطرفكم.
37-
متذكر زمان قريت ليك كتابة عن الحاجات التي لا تكتبها لأن لا أسانيد؛ خليني أديك واحدة:
توجد آصرة سحرية تربطني مع البنات اللواتي مستهل أسمائهن حرف السين؛ وللحرف نفسه سلطان يعمل في المرء كأن به نزوع لأن يكون إسمه، هذا شريطة أن يكون بالمرء جنون النزوع، فيحقق سينه كاملاً فتنةٌ تُوافقُ جرس الحرف أي رسمه وتنزع لأن تطابقه. جرس السين عندي في البدء سُمية؛ إلا أن سيناتي تكاثرن تحقيقاً لنبوءة غامضة، مثل أقمار المصائر؛ قبلاتي مرة أخرى لسافو وسيلفيا بلاث.
38-
الدروب المفضية إلى اللامتوقع كلها ساحرة؛ الأسرار، المؤامرات الكونية الغامضة، المجهول الذي لن تعرفه إلى موتك: أنا. طفولتي كانت تحمل تصوراً خاصاً عن الأرض، مازلت، في مكان ما لم يعبأ كثيراً بالخرائط، أكلله بالصواب: الأرض مبنى من طوابق لانهائية تترادف فوق بعضها البعض، وكل هذه الحياة البشرية طابق واحد، سقفه السماء وأرضه الماء واليابسة. في مكان ما تختبيء السلالم، حيث يمكن لمحظوظ مثلي أن يصعد أو يهبط. كنت، من موقعي الدائم قرب الشباك في عربة أبي، أتطلع ملهوفاً باحثاً عن سلم الأكوان الأخرى. لم أكن أشك للحظة أنه موجود هناك، في الطريق من بيتنا في إمتداد الدرجة التالتة وبيت جدتي بالصافية. كانوا يعطلون مهامي بصرامة:
-"مازن؛ دخل راسك من الشباك"
الصورة لا تغادرني، الكريسيدا البيضاء موديل تسعة وسبعين، أمي بشعرها المنفوش والشامة التي على الأنف والوجه المستدير وملابسها التي مازلت أراها غريبة الألوان، وعمك مصطفى يخرق عادات الأسبوع كله ويرتدي الجلابية ويسأل منذ بداية يوم الجمعة:
-"العمة بتاعتي مشت وين؟"
في السيارة تغادره صرامة الصباح اليومي، ويغني أغنيات لم أكن أسمعها إلا لديه: "آبني عُشك، يا قمااري، قااااشة قاااشة؛ وعلميييناااا يا قمااااري..." حين تفرغ أمي من ترتيب الحاجات التي خمتها على عجل في شنطتها، يتفرغان لونسة لا تعنيني، وتدور غالباً حول الشغل، مشاوير السبت وفلان نقلوهو وأمي يوم الاتنين ما ناوية تمشي وحتوصي جعفر الباشكاتب من بكره على شنو كده ما عارف؛ ثم:
-"مازن، دخل راسك دا من الشباك"
وعلى العكس من إتساع تصوري للعوالم، كنت أتصور حدود هذا العالم بسيطة جداً؛ بخيالي كانت الدول الأخرى كلها في مكان ما بعد بحري؛ تمشي قدام في شارع المعونة بتلاقيك الحلفايا، وتمشي منها مسافة كده بتوصل الدول الأخرى، ويمكنك بمعونة المراكب أن تعبر البحر الأبيض المتوسط لأوربا. أوربا بها حرب، هذا ما كنت أعلمه يقيناً، لحدي ما كلمتني حبوبتي حرم السني، وكانت مصدر مهم من مصادري، إنو الحرب العالمية إنتهت بدري، وأن الإنجليز لم يستعمروا أرضاً أوربية إلا قبل قرون، وأن كبري بحري في حقيقة الأمر مجلوب من الهند: فتنتني هذه الفكرة!. كنت أعلم عن كوريا، فقد كنت صديقاً لولد كوري كان معانا في المدرسة، صادقنا حتى إختلطت لغته الإنجليزية بعامية جيدة النطق، ولم نتعلم حرفاً كورياً. الناظر، فاظر غرامينو، كان إيطالياً، وكنت أكرهه وأعرف أنني يوما ما سأعلن الحرب على إيطاليا؛ كلهم كانوا إيطاليين، جرامينو وبعدو بيبينو وبعداك جينو؛ بيبينو كنا مسمينوا الأهبل، لما كنا غير متعودين على فكرة أن يبتسم الناظر للطلاب. بلدكم النصيحة ما قابلني منها غير مارادونا، وكاس العالم، والغباء الذي تعرف.
39-
دائماً ما يرتقي مثل مُراقٍ على أهبة يُلحس: دائماً؛ مشبوهة دائماً دائماً (ضع بإحداهن علامتي تنصيص، برفق كما لو تنصص جسدك، بغفران كما تمنحه، وأنظر لدائماً التي كزيفها وهي تتأرجح مثل زِيفة)، المناصات تستدعي البلغم، مثلما لحجر صغير إستدرار الصيرورة فجوة كونية بها أنتقل من مشكل للمشكل نفسه:
المشكل يدخن العشب الخدير، يتطلع على الكون من ثقب في الصلادة، حجابه، فيبصره؛ كأن لم يكن منه إلا مرايا ل"هو" العابر، وإذن لا "هو" قط (هذه المرة علامتي التنصيص راغبتان بي وأنا راغب بهما، ولن أكف؛ زاد الوحيد الشَبَق). المشكل يديرني على فحمه ونشيشي ألا تشتم؟ مثلما حق للشوق أن يتلقف في الكون الذرائع، أن يتلقى حجج الإجتماع، ومثل حلم اليقظة، كأن يقظة، وكأن حلم، نتروح بما جادت به الأخت، غازلة الشك الذي صار ضجراً فرط تكرر. قطرة من تسلية، وأبيعك بها قنطار وجود. أبيعك أنا كاملة عسى أخلف خيراً منها، وكأن من يعلم. قطرة تسلية ووجودات تزاحمت على بابها تترجى؛ قطرة أهصر لها فتات البشري كله؛ قطرة كجمجمة تتفتت.
40-
أنا أحب الكتابة؛ ألمها عنيف مثل لذتها.
41-
الفنان هو الملحد الوحيد؛ لأن عدو الأديان لم يكن قط العلم، لم يكن قط المعرفة؛ لأن الأديان لم تنبع قط عن جهل، بل عن حيرة ميتافيزيقية. العلم كما بطابعه الأداتي، والاتجاه التقني المنسكب على وجوهنا مثل نهر مخاط طويل ولزج منذ بارمينيدس، يكرس للدين بحجب الحيرة الميتافيزيقية الخالدة؛ كذا تفعل الإتجاهات الوضعية رغم مجاهراتها الإلحادية الفخورة. وحده الفن يا أرنستو؛ يقوض الميتافيزيقا بتبجيلها وإبتكارها اللانهائي.
42-
الروائي راصد صيرورات.
43-
يا أرنستو، لا أريد أن أكون. أنا نجمة؛ ضوئي لا يرتبط شرطياً بحياتي. أنا فاتن وخالي من الحياة؛ أنا جثة. كنت جثة في آخر الجملة السابقة، فماذا أكون الآن؟.
44-
Iam in love with my selfs.
45-
وأقول للشيء كُن فأكون.


